علم الولاية
رسالة : القول الفصل في الخروج على ولي الأمر
فصل : القياس
كتب : محمد الأنور ( أبو
عبد الله المدني , تبيين الحق ) :
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الفصل نشرته على
صفحتي على الفيسبوك بتاريخ : 22
يوليو، 2014، الساعة 07:20 ص , على الرابط التالي :
https://www.facebook.com/notes/1569364026624500/
تنبيه
: أنا أذكر الآثار من باب الاستدلال على الأثريين بأدلتهم التي يصححونها , وليس من
باب أنها صحيحة عندي .
في هذا الجزء سأتحدث عن
القياس كدليل من أدلة الخروج على ولي الأمر , وسأكتفي بمثالين فقط .
المثال الأول : ولي الأمر
المعتدي على المال :
في هذا المثال سنقيس
بقية مقاصد الشريعة على المال, فمن المعلوم أن ولي الأمر إذا اعتدى على أموال
الناس وجب الخروج عليه وقتاله , قال النبي صلى الله عيه وسلم : " مَنْ قُتِلَ
دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ " . ( ( اتفق عليه
المدلسان ) .
وهذا هو هدي الصحابة عند
الأثريين وفهمهم للأثر :
1 ـ هدي عبد الله
بن عمرو وخروجه على عنبسة :
عن ثابت مولى عمر بن
عبد الرحمن أنه قال : لما كان بين عبد الله بن عمرو وبين عنبسة بن أبي سفيان ما
كان تيسروا للقتال فركب خالد بن العاص إلى عبد الله بن عمرو فوعظه خالد فقال عبد
الله بن عمرو : أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من قتل دون
ماله فهو شهيد". ( صحيح مسلم , كتاب الإيمان , باب الدليل على أن من قصد أخذ
مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه
) .
وعنبسة هو أخو معاوية
بن أبي سفيان وواليه على مكة والطائف .
والأثر السابق صحيح عند
الأثريين , وعبد الله بن عمرو من الصحابة عند الأثريين , والسؤال : إن كان هذا
الأثر صحيحاً وإن كان هذا هو فهم عبد الله بن عمرو للأثر , فلماذا لا تخرجون على
ولاة الأمور الذين يعتدون على أموالكم ؟ كيف تزعمون بأنكم تتبعون آثاركم التي
تصححونها ثم تخالفونها ؟ وكيف تزعمون أنكم تتبعون فهم الصحابة ثم تخالفونهم ؟
2 ـ هدي سعيد بن
زيد وخروجه على مروان :
عَنْ سَعِيدِ بْنِ
زَيْدٍ، قَالَ:أَرَادَ مَرْوَانُ أَنْ يَأْخُذَ أَرْضَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ،
وَقَالَ: إِنْ أَتَوْنِي قَاتَلْتُهُمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم يَقُولُ:" مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ " . ( مسند
أبي داود الطيالسي ) .
والأثر السابق صحيح عند
الأثريين , وسعيد بن زيد من الصحابة عند الأثريين , والسؤال : إن كان هذا الأثر
صحيحاً وإن كان هذا هو فهم سعيد بن زيد للأثر , فلماذا لا تخرجون على ولاة الأمور
الذين يعتدون على أموالكم ؟ كيف تزعمون بأنكم تتبعون آثاركم التي تصححونها البخاري
ثم تخالفونها ؟ وكيف تزعمون أنكم تتبعون فهم الصحابة ثم تخالفونهم ؟
و المال هو أدنى مقاصد
الشريعة , ومن ثم فإذا اعتدى ولي الأمرعلى العرض أو النفس أو الدين وجب الخروج
عليه وقتاله ـ قياساً على المال ـ من باب أولى .
المثال الثاني : ولي الأمر
السفيه :
في هذا المثال أيضاً
سنقيس بقية مقاصد الشريعة على المال , فمن المعلوم أن ولي الأمر إذا كان سفيهاً
وجب الحجر عليه ولا يجوز إيتاؤه الأموال , قال تعالى : " وَلَا تُؤْتُوا
السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ
فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا " [النساء : 5]
والسؤال : هل يبيح
الأثريون إيتاء أموال المسلمين للسفيه ؟
هل يجوز أن يتحكم
السفيه في بيت المال ؟
وكما هو معلوم فإن
المال هو أدنى مقاصد الشريعة , ومن ثم فلا يجوز تأمير السفيه فيتحكم في الأعراض
وفي الأنفس وفي دين الله تعالى فيفسد في الأرض بسفاهته ويعطل أحكام الله
تعالى ويحارب من يدعو إليه .
أي أن السفيه لا يجوز
ولا يصح تأميره ابتداءً , ولو بايعه الجهلاء والخونة كانت بيعة باطلة غير ملزمة .
أما لو كان عاقلاً ثم
أصيب بالسفه فإنه يجب الخروج عليه وعزله وأخذ ما في يده .
ومن العجيب أن الأثريين
يقولون : لا يجوز الإنفاق على المسابقات
المحرمة من بيت المال أو من المال الخاص , ولا يجوز الإنفاق على المسابقات المباحة
من بيت المال ويستدلون بالأثر التالي عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ،
أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ " . ( جامع الترمذي ) , وهو أثر باطل ولكن الأثريين
يصححونه لذا فهو حجة عليهم .
ويقولون بأن الرجل الذي
ينفق على المسابقات المباحة أو المحرمات من ماله الخاص يكون سفيهاً , ثم يغضون
الطرف عن حكم السفيه , ويكتمون الحق , ولا يقولون بوجوب الخروج عليه ,وعزله ,
والحجر عليه .
والخلاصة : لا
يجوز أن نؤتي السفاء أموالنا ولا أعراضنا ولا أنفسنا ولا ديننا .
تنبيهات :
التنبيه الأول : الأمر
بالخروج على المعتدي على الدين والنفس لا يثبت بالقياس فقط بل ثابت بالقرآن كما هو
مذكور في روايات الأثريين أيضاً .
قال الله : "
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ
قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي
الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا " [الإسراء : 33]
وقال الله : "
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ
ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ
مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ
فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191)
فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى
لَا تَكُونَ فِتْنَةٌوَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا
عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ
الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا
عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(194) " ( البقرة ) .
وقال الله : "
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " [الأنفال :
39]
وقال تعالى : "
وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ
فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ
يَنْتَهُونَ " [التوبة : 12]
فالإمام الذي لا يقود
الناس بكتاب الله تعالى هو إمام من أئمة الكفر الداعين إليه , ويجب قتاله , حتى لا
تكون فتنة ويكون الدين كله لله , وهذا هو الفهم الصحيح الموافق للقرآن والإجماع
والقياس والفطرة والعقل والحكمة , أما فهم سلفيي أمن الدولة فإنهم يجعلون الفتنة
في القتال والجهاد وليس في الكفر , وهذا معارض للنص , ومن ثم يعطلون الجهاد بحجة
الفتنة , قال الله :
" وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي
الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ "
[التوبة : 49]
عَنْ أُمِّ
الْحُصَيْنِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:
" وَلَوْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ
فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا " . (مسند أحمد بن حنبل , مسند عبد بن حميد ,
مسند إسحاق بن راهويه , مصنفابن أبي شيبة , صحيح مسلم , مستخرج أبي عوانة , سنن
النسائي الصغرى , السنن الكبرى للنسائي , سنن ابن ماجه , السنة لأبي بكر بن الخلال
, السنة لابن أبي عاصم , الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم ) .
وبمفهوم المخالفة : (
ولو استعمل عليكم عبد لا يقودكم بكتاب الله فلا تسمعوا له ولا تطيعوا ) , أي
الخروج عليه وعزله .
التنبيه الثاني: الخروج على
ولي الأمر السفيه لا يثبت بالقياس فقط , بل ثابت بالقرآن , كما هو موجود في روايات
الأثريين التي يصححونها .
قال الله : " قَالَتْ
إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ
الْقَوِيُّ الْأَمِينُ " [القصص : 26]
قال الله : " قَالَ
عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ " [النمل : 39]
والشروط التي يجب
توفرها في ولي الأمر هي : الإسلام , الأمانة ( العدالة ) , العلم ,
الذكورة , القوة .
ومن القوة سلامة العقل
, فلو كان سفيهاً لا تصح ولايته .
عَنْ عُبَادَة َبْنِ
الصَّامِتِ، قَالَ: " بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى
السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالَيُسْرِ،وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ،
وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا
كُنَّا لا نَخَافُ فِي اللَّهِ عز وجل لَوْمَةَ لائِمٍ " . ( مسند الحميدي
واللفظ له , مسند أحمد بن حنبل , صحيح مسلم , سنن النسائى الصغرى , السنن الكبرى
للنسائي , السنة لابن أبي عاصم , الشريعة للآجري , التمهيد لابن عبد البر , المسند
للشاشي , صفوة التصوف , تاريخ بغداد للخطيب البغدادي , تاريخ دمشق لابن عساكر ) .
الشاهد هو قوله :
" وأن لا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه" , وبمفهوم المخالفة وأن
ننازع الأمر غير أهله .
فولي الأمر الذي لا
تتوفر فيه شروط الولاية تجب منازعته .
التنبيه الثالث : لا يقتصر
الأمر على هذين القياسين .
بل يقاس ولي الأمر على
السائق في صلاة الأثريين , فكما يجب توفر شروط الإمامة في إمام المصلين عند
الأثريين , وإن لم تتوفر وجب عزله , يجب توفر شروط الإمامة في إمام المسلمين , وإن
لم تتوفر وجب الخروج عليه وعزله .
وكما يجب الخروج على السائق
بعدم السمع أو الطاعة إذا صلى صلاة تخالف القرآن والآثار , يجب الخروج على إمام
المسلمين إذا لم يقد الناس بكتاب الله تعالى , من باب أولى فإن ضياع الإسلام وهلاك
الأمة أعظم خطراً من ضياع صلاة من الصلوات الخمس
التي ابتدعها ابن صعصعة .
كما يقاس ولي الأمر على
ولي المرأة , فإذا كان فاسقاً وسيعضلها سقطت ولايته عليها .
وفي الأمثلة السابقة
الكفاية .
وأوجه أسئلة للخواضع
والمخالفين الحق :
هل يوجد في ولاة أمور
المسلمين من تتوفر فيه شروط الولاية ؟
لا يوجد .
هل يوجد في ولاة أمور
المسلمين من يقود الناس بكتاب الله ؟
لا يوجد .
كيف يستجيز أحد عدم
الخروج على ولاة أمور المسلمين الآن وهم يعتدون على الأموال والأعراض والأنفس ودين
الله تعالى فعطلوه وحاربوه وحاربوا من يدعو إليه ؟
هل يوجد عاقل غير سفيه
في ولاة الأمور ؟
لا يوجد .
كيف يستجيز أحد عدم
الخروج على ولاة أمور المسلمين الآن وهم سفهاء ؟
أما من يترك الصحيح
ويحرف الدين فيستدل بالموضوع مثل : ( اسمع وأطع وإن جلد ظهرك وأخذ مالك ) فهؤلاء
لا يجوز اتباعهم فلقد ضلوا وأضلوا , وباعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل .
ولو كان هديهم كما
يزعمون الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة لخرجوا كما خرج سلف الأمة , ولكنه الكتاب
والآثار بفهم أمن الدولة .
ليتكم خرجتم على ولاة
أموركم بدلاً من أن تخرجوا عن القرآن والإجماع والقياس والفطرة والعقل والحكمة
والعدل والرحمة .
وأنبه على اختيار
الصورة الملائمة للخروج على ولي الأمر , فليس كل خروج يكون بالسيف , بل إن عدم
طاعته إذا أمر بمعصية هي صورة من صور الخروج عليه .
وأخيراً أقول :
أظن أن الحق قد ظهر
جلياً للعوام قبل العلماء , وهذا ما يليق بأحكم الحاكمين فلقد فصل الله تعالى
الكتاب تفصيلاً ولم يتركنا للخلاف أو الاختلاف.
حقق بنفسك , ولا تقلد
البخاري أو مسلماً أو الألباني , فالأباطيل منتشرة حتى بين السلفيين المداخلة
حاملي الكتب وطالبي الآثار الموضوعة ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله رب العالمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق